فخر الدين الرازي
62
تفسير الرازي
الملائكة * ( إنا مهلكوا ) * وهو لم يكن متصلاً بمجيئهم لأنهم بشروا أولاً ولبثوا ، ثم قالوا : إنا مهلكوا وأيضاً فالتأني واللبث بعد المجئ ثم الإخبار بالإهلاك حسن فإن من جاء ومعه خبر هائل يحسن منه أن لا يفاجئ به ، والواقع ههنا هو خوف لوط عليهم ، والمؤمن حين ما يشعر بمضرة تصل بريئاً من الجناية ينبغي أن يحزن ويخاف عليه من غير تأخير ، إذا علم هذا فقوله ههنا : * ( ولما أن جاءت رسلنا ) * يفيد الاتصال يعني خاف حين المجئ ، فإن قلت هذا باطل بما أن هذه الحكاية جاءت في سورة هود ، وقال : * ( ولما جاءت رسلنا لوطاً ) * من غير أن ، فنقول هناك جاءت حكاية إبراهيم بصيغة أخرى حيث قال هناك : * ( ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى ) * فقوله هنالك : * ( ولقد جاءت ) * لا يدل على أن قولهم : * ( إنا أرسلنا ) * كان في وقت المجئ . وقوله : * ( ولما جاءت رسلنا لوطاً سئ بهم ) * دل على أن حزنه كان وقت المجئ . إذا علم هذا فنقول : هناك قد حصل ما ذكرنا من المقصود بقوله في حكاية إبراهيم : * ( ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى ) * ثم جرى أمور من الكلام وتقديم الطعام ، ثم قالوا : * ( لا تخف ) * ولا تحزن * ( إنا أرسلنا إلى قوم لوط ) * فحصل تأخير الإنذار ، وبقوله في حكاية لوط * ( ولما جاءت رسلنا ) * حصل بيان تعجيل الحزن ، وأما هنا لما قال في قصة إبراهيم * ( ولما جاءت ) * قال في حكاية لوط * ( ولما أن جاءت ) * لما ذكرنا من الفائدة . المسألة الثانية : : قال هنا * ( إنا منجوك وأهلك ) * وقال لإبراهيم * ( لننجينه ) * بصيغة الفعل فهل فيه فائدة ؟ قلنا ما من حرف ولا حركة في القرآن إلا وفيه فائدة ، ثم إن العقول البشرية تدرك بعضها ولا تصل إلى أكثرها ، وما أوتي البشر من العلم إلا قليلاً ، والذي يظهر لعقل الضعيف أن هناك لما قال لهم إبراهيم : * ( إن فيها لوطاً ) * وعدوه بالتنجية ووعد الكريم حتم ، وههنا لما قالوا للوط وكان ذلك بعد سبق الوعد مرة أخرى قالوا : * ( إنا منجوك ) * أي ذلك واقع منا كقوله تعالى : * ( إنك ميت ) * ( الزمر : 30 ) لضرورة وقوعه . المسألة الثالثة : قولهم : * ( لا تخف ولا تحزن ) * لا يناسبه * ( إنا منجوك ) * لأن خوفه ما كان على نفسه ، نقول بينهما مناسبة في غاية الحسن ، وهي أن لوطاً لما خاف عليهم وحزن لأجلهم قالوا له لا تخف علينا ولا تحزن لأجلنا فإنا ملائكة ، ثم قالوا له : يا لوط خفت علينا وحزنت لأجلنا ، ففي مقابلة خوفك وقت الخوف نزيل خوفك وننجيك ، وفي مقابلة حزنك نزيل حزنك ولا نتركك تفجع في أهلك فقالوا : * ( إنا منجوك وأهلك ) * . المسألة الرابعة : القوم عذبوا بسبب ما صدر منهم من الفاحشة وامرأته لم يصدر منها تلك فكيف كانت من الغابرين معهم ؟ فنقول الدال على الشر له نصيب كفاعل الشر ، كما أن الدال على الخير كفاعله وهي كانت تدل القوم على ضيوف لوط حتى كانوا يقصدونهم ، فبالدلالة صارت واحدة منهم ، ثم إنهم بعد بشارة لوط بالتنجية ذكروا أنهم منزلون على أهل هذه القرية العذاب فقالوا : * ( إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزاً من السماء ) * واختلفوا في ذلك ، فقال بعضهم حجارة